
المغربية تيفي 24 محمود سيد محمد.
الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية.
في لحظات الحروب الكبرى، لا يكون الخطر الأكبر في حجم الضربات التي يتلقاها الجيش، بل في قدرته على تعويض ما يخسره والاستمرار في تشغيل المنظومة بكامل طاقتها.
وهذا بالضبط ما تستحق الوقوف عنده الآن، فالمشهد المتداول حول ترامب، والجدل حول إغلاق أبواب البيت الأبيض أمام الصحافة، والسخرية الإيرانية، والحديث عن خسائر المسيّرات، وضغط حاملات الطائرات، واستنزاف صواريخ الدفاع الجوي، وارتفاع كلفة الحرب، كلها تبدو للوهلة الأولى أحداثاً منفصلة ، لكن عند جمعها في صورة واحدة تظهر مسألة أخطر : الحرب بدأت تختبر قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على تفوقها، وليس قدرتها على تنفيذ ضربة عسكرية. وهنا يبدأ التحول الحقيقي من قوة تضرب إلى قوة مطالبة بتعويض نفسها.
فصحيح أن أمريكا ما زالت تملك أقوى منظومة عسكرية في العالم، وهذه حقيقة لا ينبغي تجاهلها، لكن القوة العظمى لا تُقاس بما تستطيع فعله في اليوم الأول فقط، بل بما تستطيع تكراره في اليوم المئة.
حاملة طائرات تحتاج إلى صيانة، والطائرة التي تُفقد تحتاج إلى بديل، وصاروخ الاعتراض الذي يُطلق يحتاج إلى إعادة إنتاج، والطاقم الذي يبقى في البحر أشهراً يحتاج إلى راحة وإعادة تأهيل، والقاعدة التي تتعرض للتهديد تحتاج إلى دفاعات إضافية، وهكذا تتحول الحرب تدريجياً إلى آلة تستهلك نفسها.

وهنا تصبح الخسارة الصغيرة أخطر مما تبدو عليه؛ لأن المشكلة ليست في قيمة الأصل الذي فُقد وحده، وإنما في السلسلة التي يجب أن تتحرك لتعويضه. فإذا احتاجت واشنطن إلى نقل أصول من المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط، فهي تستطيع فعل ذلك، لكن السؤال الاستراتيجي التالي يصبح : من سيغطي الفراغ الذي تركته تلك الأصول خلفها؟ هذه هي لغة الاستنزاف الحقيقي.
وهنا تكمن إحدى أهم النقاط التي يجب فهمها : إيران لا تحتاج إلى إغراق الأسطول الأمريكي، ولا إلى تدمير القواعد الأمريكية، ولا إلى إسقاط مئات الطائرات حتى تحقق مكسباً استراتيجياً، يكفي أن تجعل الحرب أكثر كلفة مما توقعت واشنطن. صاروخ رخيص يفرض إطلاق صاروخ اعتراض باهظ الثمن، ومسيّرة منخفضة التكلفة تفرض طلعة جوية ومراقبة واستخبارات، وتهديد قاعدة واحدة يستدعي توسيع شبكة الدفاع حولها، واضطراب الملاحة يرفع كلفة التأمين والطاقة، والضغط على هرمز يجعل الاقتصاد العالمي يدخل في الحساب العسكري.
هكذا تتغير طبيعة المعركة: إيران تقاتل على كلفة الحرب، وأمريكا تقاتل للحفاظ على قدرتها على مواصلة الحرب، وهذا فرق استراتيجي هائل.
فالتقارير المتداولة حول استخدام كميات كبيرة من صواريخ الاعتراض، وخسائر المسيّرات، والإرهاق الذي أصاب بعض القطع البحرية والطواقم، يجب ألا تُقرأ كل واحدة منها منفردة، فالأهمية تظهر عندما تتراكم.
فالولايات المتحدة تستطيع تعويض خسارة طائرة، وتستطيع إرسال حاملة أخرى، وتستطيع إنتاج المزيد من الذخائر، لكن سرعة الاستهلاك مقابل سرعة التعويض هي التي تحدد قدرة الحرب على الاستمرار، وهنا تتحول الصناعة واللوجستيات والميزانية إلى جزء من المعركة.

لذلك فإن أخطر سؤال لم يعد: كم سلاحاً تملك أمريكا ؟ بل : كم سلاحاً تستطيع إنتاجه واستعادته وإعادة نشره قبل أن تحتاج إليه في جبهة أخرى؟ وهذه هي المعضلة التي يمكن أن تواجه أي قوة عظمى عندما تجد نفسها أمام حرب طويلة ومتعددة المسارح.
والجدل حول تحركات ترامب، وإغلاق بعض فعالياته أمام الصحافة، والصور التي استغلتها طهران دعائياً، كلها مهمة سياسياً، لكن يجب عدم الوقوع في فخ الصورة وحدها، فاختباء رئيس أو صمته لا يعني انهيار دولة تماماً، القضية الأخطر هي ما إذا كانت هذه الصور بدأت تتطابق مع واقع ميداني واقتصادي يضع القيادة أمام هامش أضيق للمناورة.
إذا أصبح الرئيس مضطراً إلى تفسير خسائر عسكرية، واستنزاف ذخائر، وارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد كلفة الانتشار، وضغط الحلفاء، ومخاطر اتساع الحرب، فإن المشكلة تصبح سياسية بقدر ما هي عسكرية.
وهنا تستغل إيران الحرب النفسية إلى أقصى حدودها، فالسخرية من ترامب ليست مجرد مادة دعائية، إذا نجحت طهران في تحويل صورة الرئيس الأمريكي من صاحب المبادرة إلى رجل يحاول احتواء تداعيات قراراته، فهي تضرب جزءاً مهماً من الردع النفسي، والردع في النهاية ليس صواريخ فقط، إنه أيضاً إيمان الخصم بأنك قادر على تنفيذ تهديدك ثم التحكم في نتائجه.
أما التحول الأخطر فقد لا يحدث داخل واشنطن أو طهران، بل قد يحدث في العواصم التي تراقب الاثنين. دول الخليج، وتركيا، وباكستان، والصين، وغيرها، تراقب شيئاً واحداً : هل تستطيع الولايات المتحدة حماية مصالح حلفائها في أكثر من مسرح في الوقت نفسه؟ إذا كانت الإجابة نعم، ستبقى المظلة الأمريكية قوية، أما إذا بدأ الحلفاء يشعرون أن واشنطن مضطرة للاختيار بين حماية الشرق الأوسط والحفاظ على الردع في المحيط الهادئ ومواجهة روسيا في أوروبا، فسيبدأ التفكير في البدائل، وهنا تتحول الحرب من مواجهة عسكرية إلى إعادة توزيع للثقة الاستراتيجية، وهذا أخطر بكثير من خسارة قطعة عسكرية.

ومع دخول الاقتصاد المعركة من الباب الأوسع، فإن العجز الأمريكي، خدمة الدين، أسعار الطاقة، الإنفاق العسكري، وتكلفة حماية طرق التجارة لا تعني أن الاقتصاد الأمريكي على وشك الانهيار، هذه قراءة مبالغ فيها، لكنها تكشف شيئاً مهماً: الحرب الطويلة لا تُدفع قيمتها من موازنة الدفاع وحدها، كل ارتفاع في الطاقة ينتقل إلى الصناعة والنقل والأسواق، وكل اضطراب في الملاحة يرفع تكلفة التجارة، وكل توسع عسكري يحتاج إلى تمويل، ومع مرور الوقت تصبح الحرب منافسة بين دولتين في قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمة، وهنا تستطيع إيران أن تراهن على الزمن.
في البداية كان السؤال: هل تستطيع أمريكا ضرب إيران؟ والإجابة واضحة: نعم. ثم أصبح السؤال: هل تستطيع إيران الرد؟ وأثبتت أنها قادرة على إيلام خصومها ورفع كلفة المواجهة. أما السؤال الذي يفرض نفسه الآن فهو أخطر: هل تستطيع واشنطن الحفاظ على المستوى نفسه من القوة إذا طال الصراع وتعددت الجبهات؟
هذه هي النقطة التي ستحدد المرحلة المقبلة، لأن الولايات المتحدة لا تواجه إيران وحدها في الحساب الاستراتيجي، هناك الصين في المحيط الهادئ، وروسيا في أوروبا، وتهديدات سيبرانية، وأمن الطاقة، والممرات البحرية، وحماية القواعد، والتزام تجاه عشرات الحلفاء، كل جبهة تسحب شيئاً من الأخرى، وهنا يصبح التفوق الأمريكي نفسه أمام اختبار جديد : ليس اختبار القدرة على الحرب، وإنما اختبار القدرة على توزيع القوة دون أن تظهر فجوات في أماكن أخرى.
ومن هنا تبدأ “حرب الزمن”، فإيران تستطيع أن تقول: سأستمر، وأمريكا تقول : سأمنعك من الاستمرار، وبين العبارتين تبدأ معركة الاستنزاف: من يستطيع إنتاج الذخائر أسرع ؟ من يستطيع تعويض خسائره؟ من يستطيع تحمل ارتفاع الطاقة؟ من يستطيع إبقاء قواته منتشرة؟ من يستطيع المحافظة على معنويات جنوده؟ من يستطيع إقناع حلفائه بالبقاء؟ ومن يستطيع الحفاظ على صورته أمام خصمه والأسواق والعالم؟ هذه هي المعركة الحقيقية.
ولهذا فإن اختزال المشهد في “أمريكا انهارت” سيكون تبسيطاً شديداً، فلم تنهر، لكن الحرب بدأت تكشف حدوداً تشغيلية وسياسية واقتصادية لنموذج القوة الأمريكية عندما يتعرض لضغط طويل ومتعدد الجبهات، وهذه الحدود هي التي يجب مراقبتها.
أخطر ما في الحرب أنها بدأت تغيّر تعريف القوة، فقد تخسر إيران معركة جوية وتربح معركة استنزاف، وقد تحقق أمريكا تفوقاً عسكرياً في يوم معين وتدفع ثمناً أكبر في اليوم التالي، وقد تبقى واشنطن صاحبة الجيش الأقوى في العالم، بينما تضطر في الوقت نفسه إلى إعادة توزيع هذا الجيش باستمرار حتى لا تتحول حرب واحدة إلى عبء على بقية منظومة الردع، وهنا تظهر المفارقة الكبرى : أمريكا لا تحتاج إلى أن تُهزم عسكرياً حتى تخسر جزءاً من ميزتها الاستراتيجية، يكفي أن تصبح المحافظة على تلك الميزة أكثر كلفة مع كل أسبوع إضافي.
إذا استمرت الحرب بهذا الاتجاه، فإن التاريخ قد لا يتذكر هذه المرحلة باعتبارها الحرب التي هزمت فيها إيران الولايات المتحدة، بل قد يتذكرها باعتبارها الحرب التي اكتشفت فيها واشنطن أن التفوق العسكري شيء، والقدرة على الحفاظ على التفوق في عالم متعدد الجبهات شيء آخر تماماً.
ومن هنا يبدأ السؤال الذي سيحدد شكل النظام الدولي القادم : هل تستطيع أمريكا أن تدفع ثمن بقائها قوة عالمية في كل مكان في الوقت نفسه؟ لأن اللحظة التي تضطر فيها القوة العظمى إلى الاختيار بين جبهاتها هي اللحظة التي يبدأ فيها العالم باكتشاف أن القوة لها حدود، حتى عندما تكون القوة أمريكية.



















