
المغربية تيفي24 فراس المارديني موسكو – روسيا
لم تعد المدن الخلفية بعيدة عن الحرب، فالمعركة انتقلت من الخنادق إلى العواصم. ولم تعد خطوط الجبهات، وتغيراتها، ومكاسبها وخسائرها، وحدها هي التي تحدد ملامح المنتصر والخاسر كما كان الحال في الحروب الكلاسيكية، بل باتت قدرة كل طرف على ضرب العمق الاقتصادي واللوجستي لخصمه جزءًا أساسيًا من معادلة الصراع.
فاستهداف العاصمتين موسكو وكييف، إلى جانب المراكز الاقتصادية والنفطية ومنشآت الطاقة، أصبح أحد أبرز أدوات الضغط العسكري، في محاولة من كل طرف لاستهداف الشريان الذي يغذي المجهود الحربي للطرف الآخر.
وخلال الفترة الأخيرة، أصبحت أوكرانيا تشن هجمات متكررة بأسراب من المسيّرات على العاصمة الروسية موسكو، مستهدفةً محطات ومستودعات المشتقات النفطية.
وتشير تقارير إلى أن هذه الهجمات تسببت في اضطرابات بإمدادات الوقود في بعض المناطق، وأثرت في حركة النقل والخدمات اللوجستية، وهو ما انعكس على وصول بعض السلع إلى الأسواق وارتفاع أسعارها.

كما استهدفت القوات الأوكرانية مستودعات تابعة لشركات التجارة الإلكترونية تضم بضائع تقدر قيمتها بملايين الدولارات، ما أدى إلى خسائر كبيرة للشركات وأثر في توافر بعض المنتجات في الأسواق.
وتضع هذه الهجمات الحكومة الروسية أمام تحدٍ مزدوج؛ فمن جهة، يتعين عليها احتواء التداعيات الداخلية الناجمة عن الاستهدافات المتكررة، ومن جهة أخرى، تدفعها هذه التطورات إلى تصعيد عملياتها العسكرية في محاولة للحد من الهجمات على أراضيها.
في المقابل، رفعت روسيا مستوى هجماتها الجوية وكثفت ضرباتها على العاصمة كييف ومدن أوكرانية كبرى، في مسعى لفرض معادلة ردع تقلل من قدرة أوكرانيا على مواصلة استهداف العمق الروسي، أو على الأقل لإبعاد الهجمات عن موسكو والمدن الرئيسية.

أما كييف، فعلى الرغم من الخسائر التي تتكبدها في الأراضي والبنية التحتية نتيجة الضربات الروسية، فتبدو متمسكة باستراتيجية تقوم على إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر الاقتصادي والنفسي بالداخل الروسي، باعتبارها وسيلة لتحسين موقعها التفاوضي مستقبلاً، أو لإظهار قدرتها على الصمود أمام حلفائها الغربيين، الذين لا يخفون رغبتهم في مواصلة استنزاف القدرات الروسية على المدى الطويل.
وبذلك، لم تعد المسيّرات مجرد سلاح يُستخدم لإسناد الجبهات، بل تحولت إلى أداة استراتيجية تستهدف الاقتصاد، وسلاسل الإمداد، ومعنويات السكان، في حرب تتسع رقعتها من ميادين القتال إلى قلب المدن الكبرى، حيث أصبح العمق المدني والاقتصادي جزءًا من ساحة المواجهة



















