
المغربية تيفي 24 ابراهيم مهدوب
ليست الكرة مجرد جلد منفوخ بالهواء يتدحرج بين الأقدام؛ إنها “المرآة”. مرآة الأمم التي ترى فيها وجهها عاريا من المساحيق. حين يقف الغريب ليشجع الغريب ضدنا، هو لا يفعل ذلك حبا في سواد عيوني، ولا هياما بقميص الخصم. هو يفعل ذلك خوفا من اكتمالي. إنهم لا يكرهوننا لأننا نحن، بل يكرهون فينا احتمال الصعود.
يكرهون أن نغادر قاع الهزيمة المشترك الذي يجمعنا، لنقف وحدنا على قمة لا تتسع للجميع. المسألة ليست في العاطفة، بل في الجغرافيا التي تعيد ترتيب خرائطها بناء على موازين القوى، لا موازين القصائد.علينا أن نكف عن التساؤل الساذج: “لماذا يكرهوننا؟”.
هذا سؤال الضعفاء الذين يستجدون الحب من عالم لا يعترف إلا بالأنياب. العالم ليس جمعية خيرية توزع المناديل على الباكين، ولا هو أم رؤوم تمسح على رؤوس اليتامى.

العالم آلة ضخمة، صماء، لا تسمع النشيج، لكنها تنحني إجلالا لصوت المطرقة. العالم يحترم “الألماني” الذي خرج من تحت رماد الحرب، منبوذا، ملعونا، ومثقلا بخطايا التاريخ، لكنه لم يجلس فوق التل ليبكي الأطلال.
لقد ابتلع لسان الشكوى، ومضى يحرث الوقت، ويصنع المحرك الذي سيقود به العالم لاحقا. اشترى صمته بالعمل، فاشترى العالم ضجيجه بالاحترام.الخطر ليس في “الآخر” المتربص هناك خلف الحدود، ولا في المؤامرة التي نعلق عليها خيباتنا كمعطف قديم.
الخطر كل الخطر في “الضحية” التي تسكننا. تلك التي أدمنت الشكوى حتى صارت هوية، واستعذبت الجرح حتى صار وساما. عدونا الحقيقي ينام معنا في الفراش ذاته، يأكل من صحننا: إنه الفساد الذي ينخر عظم الحلم، والوهن الذي يبرر الكسل، وانتظار المعجزة دون أن تتسخ الأيدي بتراب العمل.لا نريد حبا مشروطا بالشفقة. لا نريد تصفيقا يداري خجلا. نريد قسوة الإنجاز.
أن نكون أقوياء بما يكفي لكي لا نبالي من صفق ومن صفر. أن نعمل في “العتمة” لنصنع ضوءنا الخاص.
فالقوي هو من يفرض سرديته، لا من يستجديها. والقوة أخلاق قبل أن تكون عضلات؛ هي أخلاق العمل، والانضباط، والقدرة على تحويل الكراهية إلى وقود للمسير.
فلنحزم حقائب الوهم، ولنترك البكاء على الأطلال لمن لا يملك بيتا جديدا يبنيه. الجرح، إن لم يتحول إلى سبيكة ذهب، يظل قرحة تثير الاشمئزاز لا التعاطف. والوطن..
هذا الوطن العنيد، لا يحتاج إلى عشاق يكتبون فيه الغزل، بقدر ما يحتاج إلى سواعد ترفعه فوق كتف الشمس، بصمت، وبلا منة.
هكذا نفهم اللعبة، وهكذا نخرج من قفص الضحية إلى فضاء الفاعل.
دامت القوة، ودام المغرب عصيا على الانكسار، وحيدا في القمة، ومزدحما بالعمل.





















