
المغربية تيفي 24 البروفسور د.ضياء واجد
( نحو عراق من نظام تقني إلى مشروع دولة)
بعد موجة احتجاجات التجار وما رافقها من جدل حول الإجراءات الكمركية والمالية، أصبح من الضروري إعادة قراءة المشهد بطريقة أعمق. فالمشكلة في العراق ليست غياب الأنظمة الحديثة، بل غياب البيئة المؤسسية التي تسمح لهذه الأنظمة أن تعمل بكامل طاقتها.نظام ASYCUDA ليس مجرد برنامج لإدارة البيانات الجمركية، بل يمكن أن يكون حجر الأساس لبناء اقتصاد منضبط وشفاف—إذا ما تم ربطه بإصلاح مصرفي شامل. فالجمارك والمصارف هما شريان الدولة المالي؛ وإذا اختل أحدهما تعطلت قدرة الدولة على النمو.
أولاً: قراءة واقعية للمشكلةالعراق يمتلك اليوم أدوات رقمية متقدمة نسبياً في المنافذ الحدودية، لكن النتائج ما تزال دون الطموح بسبب ثلاث فجوات رئيسية : فجوة الحوكمة: الصلاحيات الفردية ما تزال أقوى من النظام.فجوة التكامل: الأسيكودا يعمل غالباً بمعزل عن النظام المصرفي والضريبي.فجوة الرقابة: الجهات المنفذة هي نفسها الجهات المراقِبة.والنتيجة هي مفارقة خطيرة:دولة تستخدم أنظمة رقمية بعقل إداري تقليدي
.ثانياً: لماذا يجب إصلاح المصارف والكمارك معاً؟التهريب ليس مجرد عبور بضاعة بلا رسوم، بل هو سلسلة مالية كاملة تبدأ بتحويل الأموال وتنتهي بتصريف الأرباح خارج الدورة الاقتصادية الرسمية.لذلك فإن أي إصلاح كمركي لا ينجح بدون : – نظام مصرفي قادر على تتبع حركة الأموال.- مدفوعات إلكترونية إلزامية- ربط فوري بين الاستيراد والتحويلات الخارجيةبمعنى آخر:السيطرة على البضاعة تبدأ بالسيطرة على المال.ثالثاً: برنامج وطني مقترح للإصلاح (خطة من خمس مراحل)

1️⃣ إنشاء منصة مالية-كمركية موحدةربط الأسيكودا مباشرة مع:_ البنك المركزي_ المصارف الحكومية والأهلية_ هيئة الضرائب_ منصة التحويلات الخارجيةلا تدخل بضاعة إلا عبر تحويل مصرفي موثق.وكل تحويل بلا بيان كمركي يُعد مؤشراً للمخاطر.
2️⃣ إلغاء السلطة الفردية داخل الأنظمةأخطر نقطة في أي نظام رقمي هي زرّ Override.الحل:- منع تغيير المسارات إلا بموافقة متعددة المستويات- تسجيل أي استثناء في سجل تدقيق وطني- إخضاع الاستثناءات لمراجعة لاحقة تلقائيةالقاعدة الذهبية:القرار للنظام… لا للأشخاص.
3️⃣ الانتقال إلى الدفع الإلكتروني الكاملالنقد هو البيئة الطبيعية للفساد.الإجراءات المقترحة:_ منع تسديد الرسوم نقداً نهائياً_ اعتماد المحافظ الرقمية والاعتمادات المصرفية_ إصدار رقم تتبع مالي لكل شحنةعندها يصبح التلاعب مكلفاً وصعب الإخفاء.
4️⃣ تأسيس هيئة تدقيق مستقلة رقمياًليس المقصود جهازاً بيروقراطياً جديداً، بل مركز تحليل بيانات يعمل على:+ الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الشحنات المشبوهة+ مقارنة الأسعار العالمية بالفواتير المقدمة+ تحليل أنماط المستوردين+ الرقابة الحديثة لا تبحث عن الخطأ بعد وقوعه،بل تتنبأ به قبل حدوثه.
5️⃣ الشفافية الاقتصادية كسياسة دولةنشر بيانات شهرية عن:✓ الإيرادات الكمركية✓ حجم الاستيراد✓ متوسط التخليص✓ الإعفاءاتحين يرى المجتمع الأرقام، يتحول إلى شريك في الرقابة.
فالفساد يزدهر في الظل…ويموت تحت الضوء.رابعاً: إصلاح المصارف — المعركة المكملةالنظام المصرفي العراقي ما يزال أقرب إلى “خزائن أموال” منه إلى محركات اقتصاد.الإصلاح الحقيقي يتطلب:• إعادة هيكلة المصارف الحكومية لتعمل بعقلية تجارية
• فرض الامتثال الدولي (AML / مكافحة غسل الأموال)
• تقليل الاعتماد على الدولار النقدي
• دعم التمويل الإنتاجي بدل المضارباتالهدف ليس تحديث المصارف فقط، بل تحويلها إلى رادار اقتصادي للدولة.خامساً: التحول من دولة ورقية إلى دولة خوارزمياتالمعادلة الاستراتيجية بسيطة:
عندما تصبح البيانات أقوى من النفوذ،تبدأ الدولة بالتشكل فعلياً.العراق لا يحتاج المزيد من الأنظمة بقدر ما يحتاج : + استقلال القرار الاقتصادي+ حماية المؤسسات من التدخل+ إرادة سياسية تعتبر الرقمنة مسألة سيادة لا مشروعاً إدارياً.الخلاصة الأسيكودا يمكن أن يكون سلاحاً ضد الفساد،لكن السلاح لا يعمل إذا كانت اليد المرتجفة تمسك به.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تحديث البرامج، بل من تحديث فلسفة الحكم الاقتصادي.فالدول لا تنهض عندما تشتري التكنولوجيا،بل عندما تمنع العبث بها.
وإذا نجح العراق في ربط الجمارك بالمصارف ضمن منظومة شفافة، فسيحدث تحول استراتيجي سريع:✓ ترتفع الإيرادات✓ ينكمش التهريب✓ تستقر العملة✓ يثق المستثمر✓ يتحول الاقتصاد من ريعي هش إلى اقتصاد قابل للنموحينها فقط يمكن القول إن العراق لم يُدخل نظاماً رقمياً إلى مؤسساته،بل أدخل نفسه إلى عصر الدولة الحديثة.
البروفسور د.ضياء واجد المهندس رئيس مجلس الخبراء العراقي





















