
المغربية تيفي24 هيئة التحرير
ما وقع مؤخراً بجهة بني ملال خنيفرة لا يمكن وصفه إلا بكونه فضيحة سياسية مكتملة الأركان، وسابقة خطيرة تضرب في العمق ما تبقى من ثقة المواطن في العملية الديمقراطية، وتنسف عملياً كل الخطاب الرسمي حول تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ففي منزل عبد الرزاق فضلي، رئيس جماعة حد بوموسى المنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة، عُقد لقاء سياسي مغلق، لكنه مفضوح في أهدافه، جمع رئيس الجهة وبعض رؤساء الجماعات الترابية من أحزاب مختلفة، من ضمنهم منتخبون نجحوا باسم الاتحاد الاشتراكي بإقليم خريبكة. لقاء لم يكن تواصلياً كما يُراد تسويقه، بل حملة انتخابية سابقة لأوانها، قائمة على الاستقطاب والاصطفاف الحزبي العلني، وبمنطق أقرب إلى “البيعة السياسية” منه إلى النقاش المؤسساتي.
الأخطر في هذا اللقاء، أن بعض رؤساء الجماعات عبّروا صراحة أمام الحضور عن التحاقهم بحزب الأصالة والمعاصرة، عبر الالتزام بالتصويت لمرشحه في الانتخابات المقبلة، بل والترشح مستقبلاً باسم “التراكتور” في الانتخابات الجماعية القادمة. ومن بين الأسماء المتداولة، رئيس جماعة المعادنة، في مشهد يطرح أسئلة قانونية وأخلاقية ثقيلة.
المعطيات المتوفرة تشير إلى أن هذا الالتحاق لم يكن مجانياً، بل تم في إطار مقايضة سياسية فجة، وبمقابل المشاريع لأجل الاصطفاف الانتخابي.
رئيس الجهة، عادل بركات، لم يُخف، حسب ما صرّح به أمام برلمانيي ومنتخبي حزبه، أن استئناف المشاريع ببعض الجماعات بات مشروطاً بالالتحام والاصطفاف في المرحلة الانتخابية المقبلة، وعنوان الاجتماع كان واضحاً، وإن لم يُكتب في البلاغات الرسمية، الا وهو الالتحاق مقابل المشاريع.
هنا لا نتحدث فقط عن انحراف سياسي، بل عن شبهة استعمال الأموال العمومية ومقدرات الجهة كأدوات انتخابية، خارج منطق العدالة المجالية، وضد روح الدستور، وبما يذكّر بما عبّر عنه سكان آيت بوكماز في مسيرتهم الشهيرة، حين احتجوا على التهميش والإقصاء وغياب الإنصاف في توزيع المشاريع.
الأكثر إثارة للقلق، أن رؤساء جماعات من أحزاب مختلفة من بينها الأغلبية الحكومية، برروا هذا الارتماء في حضن “البام” بكونه الحزب الوحيد الذي “قدّم مشاريع وخدمات”، في مقابل تخلّي أحزابهم الأصلية عن دعمهم، وهو اعتراف خطير بأن البرامج الانتخابية لم تكن سوى وعود فارغة، وأن الولاءات الحزبية أصبحت تُقاس بحجم الصفقات لا بقناعة سياسية.
وقد بلغ العبث مداه، عندما خرج رئيس جماعة الفقراء بإقليم خريبكة، المنتمي لحزب التجمع الوطني للأحرار، بتدوينة علنية يُعلن فيها هذا الارتماء السياسي، في خرق واضح لقانون الأحزاب السياسية (المادة 20)، وللقانون التنظيمي 113.14 (المادة 51)، دون أن يرف له جفن، وكأن القانون مجرد حبر على ورق.
الأدهى أن منصات رسمية أظهرت إطلاق صفقات من طرف الجهة في توقيت يثير أكثر من علامة استفهام، ما يعزز شبهة مقايضة انتخابية سابقة لأوانها، واصطفاف حزبي مفضوح، يتناقض بشكل صارخ مع تصريحات وزير الداخلية داخل البرلمان، حين شدد على نزاهة انتخابات 2026، وذهب حد التلويح بالاستقالة إذا شابها أي تلاعب.
فأي رسالة تُوجَّه للمواطن المغربي اليوم؟وأي مصداقية تبقى لخطاب الدولة، حين تتحول بعض الجهات إلى رافعات حزبية، ويُستعمل المال العام لإعادة ترتيب الخريطة السياسية قبل صافرة الانطلاق؟
إن ما حدث بجهة بني ملال خنيفرة ليس شأناً حزبياً داخلياً، بل قضية رأي عام، تستدعي فتح تحقيق جدي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، قبل أن نصل إلى انتخابات محسومة سلفاً، تُدار في الصالونات، وتُموّل من جيوب المواطنين، لأن الديمقراطية لا تُغتال دفعة واحدة، بل تُخنق تدريجياً، بلقاءات تواصلية مخدومة مسبقا.. من هذا النوع، من حزب معروف وجل منتخبوه متابعين او يقبعون خلف القضبان..





















