
المغربية تيفي 24 فراس المارديني
تلوح في الأفق مخاوف متزايدة من أزمة جديدة قد تضرب أسواق الغذاء العالمية، في ظل التصعيد العسكري المتواصل واستهداف البنية التحتية للموانئ والسفن الروسية والأوكرانية في البحر الأسود، الأمر الذي أدى إلى اضطراب حركة تصدير الحبوب في واحدة من أكثر الفترات حساسية خلال موسم التصدير.
ولا يتعلق الأمر هذه المرة بمجرد تطورات عسكرية معزولة، بل بتهديد مباشر لسلاسل الإمداد العالمية، خاصة بالنسبة للدول التي تعتمد بشكل كبير على واردات القمح والحبوب، وعلى رأسها العديد من بلدان أفريقيا وآسيا.
وتكتسب هذه التطورات أهمية استثنائية بالنظر إلى المكانة الاستراتيجية التي تحتلها روسيا وأوكرانيا في سوق الحبوب العالمي، إذ استحوذ البلدان معاً على نحو 27.3 في المائة من صادرات القمح العالمية خلال موسم 2025-2026، وفق تقديرات تستند إلى بيانات وزارة الزراعة الأميركية.
وفي الجانب الروسي، حاول الرئيس فلاديمير بوتين طمأنة الأسواق، مؤكداً قدرة بلاده على تعويض أي نقص محتمل، مشيراً إلى أن روسيا تتوفر على نحو 60 مليون طن من الحبوب القابلة للتصدير خلال الموسم الحالي، ومشدداً على أن الاضطرابات الراهنة لن تقود إلى نقص في الأسواق العالمية.
غير أن الواقع اللوجستي يبدو أكثر تعقيداً، إذ إن استمرار استهداف الموانئ والسفن قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل البحري والتأمين، فضلاً عن تأخر وصول الشحنات إلى وجهاتها، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على الأسعار التي يدفعها المستهلك النهائي.
أما في أوكرانيا، فتظهر المؤشرات ضغوطاً متزايدة على قطاع تصدير الحبوب، بعدما تراجعت الشحنات الأوكرانية بنحو 76 في المائة على أساس سنوي خلال أول أسبوعين من شهر أغسطس، وفق بيانات أوكرانية نقلتها وكالة رويترز.
كما بلغت صادرات القمح الأوكرانية خلال شهر يوليو حوالي 935 ألف طن، مقابل نحو 1.6 مليون طن في يونيو، فيما وصلت الشحنات خلال الفترة الممتدة من الأول من يوليو إلى 14 أغسطس إلى نحو 1.29 مليون طن، مقارنة بـ1.52 مليون طن خلال الفترة نفسها من العام السابق.

وزادت أزمة الموانئ من حدة الوضع، بعدما اضطر جزء من الصادرات إلى التحول نحو موانئ نهر الدانوب ذات القدرة الاستيعابية المحدودة.
وبحلول 25 أغسطس، كانت أكثر من 50 سفينة تنتظر المرور عبر قناة سولينا، في تأخيرات يمكن أن تكلف شركات الشحن آلاف الدولارات يومياً.
وفي الأسواق العالمية، بدأت المخاوف تنعكس على حركة الأسعار، حيث ارتفعت عقود القمح في بورصة شيكاغو بأكثر من 17 في المائة منذ بداية يوليو، بينما تراوحت أسعار القمح الأسترالي الموجه إلى الأسواق الآسيوية بين 315 و320 دولاراً للطن.
ورغم هذه المؤشرات المقلقة، لا توجد إلى حدود الساعة دلائل واضحة على حدوث نقص عالمي فعلي في الحبوب.

كما أن ارتفاع أسعار الغذاء لا يرتبط بالتصعيد في البحر الأسود وحده، إذ تلعب الظروف المناخية والاضطرابات التي تعرفها مناطق زراعية أخرى دوراً مهماً في زيادة الضغوط على الأسواق.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في استمرار التصعيد، لأن ما يبدو اليوم مجرد اضطراب لوجستي في حركة السفن والموانئ، قد يتحول في حال استمرار الهجمات إلى أزمة أوسع تمس الإمدادات العالمية وترفع أسعار الغذاء، خصوصاً في الدول الأكثر هشاشة والأشد اعتماداً على الاستيراد.
ومع استمرار المواجهة بين موسكو وكييف، تتزايد المخاوف من استخدام صادرات الحبوب كورقة جديدة في الصراع، في محاولة لإضعاف الموارد الاقتصادية للطرف الآخر.
وهكذا، لم يعد البحر الأسود مجرد ساحة للمواجهة العسكرية، بل أصبح واحداً من أهم مفاتيح الأمن الغذائي العالمي، حيث يمكن لأي تصعيد جديد في موانئه وممراته البحرية أن يصل أثره، في النهاية، إلى موائد ملايين الأسر في أفريقيا وآسيا ومختلف أنحاء العالم.فهل نحن أمام مجرد اضطراب مؤقت في تجارة الحبوب، أم أن العالم يقترب من أزمة غذائية جديدة؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.



















