
ــالمغربية تيفي 24 محمود سيد محمد.الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية.
في عالم تتصارع فيه القوى الكبرى على النفوذ، وتتداخل فيه مصالح الدول بشكل لم يسبق له مثيل، وجدت دولة بحجم قطر نفسها مضطرةً – أو ربما مدفوعةً بقناعة راسخة – لأن تصنع لها مكاناً مختلفاً تحت الشمس.
لم تختر الدوحة طريق التحدي العسكري، ولا الانغلاق السياسي، ولا حتى التبعية العمياء لأي محور إقليمي. اختارت شيئاً أكثر ذكاء: أن تكون وسيطاً لا غنى عنه.
والأغرب أن هذا الاختيار لم يعد مجرد تكتيك دبلوماسي، بل تحول إلى هوية، بل إلى دستور.نعم، نص الدستور القطري نفسه يتحدث عن دعم التسوية السلمية للنزاعات.
لكن الفرق بين النص والواقع، أن قطر لم تكتف بوضع المادة في الورق، بل حولتها إلى سياسة يومية تمارسها منذ منتصف التسعينيات.
سألت مرة مسؤولاً قطرياً عن السر، فقال لي بكل بساطة: “نحن صغارٌ جغرافياً، لكننا نعرف أن غياب الحوار يعني تهميشنا”.

وهذه الجملة، بكل بساطتها، تختصر فلسفة الدبلوماسية القطرية.ما يميز الطريقة القطرية، في نظري، ليس المال أو العلاقات فقط، بل شيء اسمه الثقة.
الثقة عملة نادرة في عالم السياسة، لكن قطر استثمرت فيها لعقود. كيف؟ بالثبات على الموقف، وعدم التقلب مع الرياح، والحفاظ على قنوات اتصال مع الجميع، حتى مع من يُوصفون بـ”الخصوم”.
وهنا مكمن الجرأة: أن تبقى على تواصل مع إيران وأميركا في آنٍ واحد، ومع إسرائيل وحماس، ومع روسيا وأوكرانيا.
هذا لا يفعله إلا من يمتلك جرأةً نادرة، وإيماناً عميقاً بأن السلام لا يُبنى على المقاطعة، بل على الحوار.
شيء آخر لافت في نهجهم، أنهم لا يفصلون بين السياسة والإنسانية. في أزمة غزة مثلاً، كان شعارهم الواضح : “لا سلام دون حل المعاناة”.
وركزوا جهودهم على فتح الممرات، وإطلاق المدنيين، وإدخال الدواء، وكأنهم يقولون للعالم: السياسة تبدأ حيث تنتهي الإنسانية.

وهذا، بصراحة، يمنحهم شرعية أخلاقية إضافية، تجعل الأطراف المتنازعة تصغي لهم، حتى في لحظات الذروة.ولم تقف طموحاتهم عند حدود الشرق الأوسط.
فاليوم تجد للدوحة بصمة في كولومبيا، وفي الكونغو، وفي أوكرانيا.
والأمثلة كثيرة، لكني أتوقف عند واحدة: في كولومبيا، تعاونت قطر مع النرويج واسبانيا وسويسرا لدفع عملية السلام، وكأنها تقول : “نحن لا نريد البطولة الفردية، نريد نتيجة”. هذا التواضع العملي، الذي يبحث عن الشريك والمكمل، يضاعف من تأثيرهم، ويجنبهم فخ “الانفراد بالقرار”.
طبعاً، لا يمكن إنكار التحديات. ففي كل وساطة، يجد المنتقدون سبيلاً لاتهام الوسيط بالانحياز، أو يسعون لتقويض دوره.
ومؤخراً، مع تطاول أمد الحروب، بدأت تظهر علامات إرهاق، ليس في الدوحة فقط، بل في كل عواصم الوساطة.
فالحرب الطويلة تنسف الثقة في الحلول الدبلوماسية، وتجعل الأطراف أكثر تشدداً. لكن القطريين، حتى في أحلك الظروف، يرددون عبارة أصبحت أشبه بتوقيعهم: “الحل الوحيد الأسوأ من الحوار، هو غياب الحوار نفسه”.
في النهاية، أحسب أن قطر قد قدّمت للعالم نموذجاً مختلفاً للقوة: دولة صغيرة المساحة، كبيرة الطموح، اختارت ألا تكون مجرد منصة للمال أو الطاقة، بل منصة للحوار.
نجحت أحياناً، وأخفقت أحياناً أخرى، لكنها في كل مرة تثبت أن الوساطة ليست حرفة، بل فن، وأن أصغر الدول يمكنها أن تحدث فرقاً حقيقياً، إذا ما امتلكت الرؤية والثبات والجرأة.سؤال يبقى مفتوحاً : هل ستصمد هذه الاستراتيجية في وجه عواصف عالمية تزداد عنفاً؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.




















