
المغربية تيفي 24 بقلم: إدريس أحميد – صحفي وباحث سياسي
في ظل الانتشار المتزايد لظاهرة الإرهاب العالمي، وما تمثله التنظيمات المتطرفة من تهديد للأمن والاستقرار الدولي، تبرز أهمية التجارب التي استطاعت بناء مقاربات شاملة لمواجهة هذا الخطر العابر للحدود. وفي هذا السياق، يأتي إعلان السلطات المغربية إحباط مخططات إرهابية خطيرة عبر عمليات أمنية استباقية، ليؤكد مرة أخرى قدرة المؤسسات الأمنية المغربية على التعامل مع التهديدات قبل تحولها إلى أعمال تستهدف أمن المواطنين واستقرار الدولة.
فالإرهاب لم يعد ظاهرة محلية مرتبطة بدولة أو منطقة محددة، بل أصبح تحديًا عالميًا استفاد من مظاهر العولمة والتطورات التقنية، وأصبح يعتمد على شبكات عابرة للحدود في التجنيد والتمويل ونشر الأفكار المتطرفة. وقد انعكس هذا الخطر بشكل واضح على منطقة المغرب العربي ومنطقة الساحل والصحراء، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى أبرز بؤر نشاط الجماعات الإرهابية، مستفيدة من الأوضاع الأمنية الهشة في بعض دول المنطقة.
إن التنظيمات المتشددة المرتبطة بجماعات مثل تنظيم “داعش” و”القاعدة” تمثل تحديًا حقيقيًا للأمن الإقليمي والدولي، الأمر الذي يفرض تعزيز التعاون بين الدول وتبادل المعلومات والخبرات لمواجهة ظاهرة لا تعترف بالحدود الجغرافية.
المغرب.. من مواجهة التهديد إلى بناء استراتيجية متكاملة
لم تأتِ التجربة المغربية في مكافحة الإرهاب من فراغ، بل جاءت نتيجة سنوات من المواجهة والتعامل مع تحديات أمنية حقيقية.
فقد شهدت المملكة عددًا من العمليات الإرهابية التي شكلت محطات مفصلية، كان أبرزها تفجيرات الدار البيضاء في 16 مايو 2003، والتي استهدفت عدة مواقع وأسفرت عن سقوط عشرات الضحايا، وكانت نقطة تحول دفعت المغرب إلى مراجعة شاملة لمنظومته الأمنية والتشريعية والفكرية لمواجهة الإرهاب.

كما شهد المغرب عام 2007 عمليات إرهابية مرتبطة بعناصر متطرفة في مدينة الدار البيضاء، إضافة إلى تفجير مقهى أركانة بمدينة مراكش عام 2011، الذي استهدف المدنيين والسياحة، في محاولة لضرب الاستقرار الاقتصادي والأمني للمملكة.
وقد شكلت هذه الأحداث دافعًا لتعزيز المقاربة المغربية، والانتقال من التعامل مع الإرهاب بعد وقوعه إلى اعتماد سياسة استباقية تقوم على الرصد والتحليل والتدخل المبكر لإحباط المخططات قبل تنفيذها.
الأمن والاستخبارات.. قوة الاستباق والمواجهة
استطاع المغرب بناء منظومة أمنية متطورة تعتمد على العمل الاستخباراتي الدقيق والتنسيق بين مختلف الأجهزة المختصة، وفي مقدمتها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمكتب المركزي للأبحاث القضائية.
وقد أثبتت هذه المنظومة فعاليتها في تفكيك عشرات الخلايا الإرهابية وإحباط العديد من المخططات، من خلال متابعة التحركات المشبوهة، وجمع المعلومات، والتعاون مع الأجهزة الأمنية الدولية.

وتأتي العملية الأمنية الأخيرة التي أعلنت خلالها السلطات المغربية إحباط مخططات إرهابية وتوقيف عشرة أشخاص في عدد من المدن، للاشتباه في ارتباطهم بفرع تنظيم “داعش” في منطقة الساحل الأفريقي، لتؤكد استمرار التهديد الإرهابي، وفي الوقت نفسه نجاح المقاربة الاستباقية المغربية في مواجهته.
وقد كشفت التحقيقات عن وجود ارتباطات تنظيمية ودعم لوجستي، إضافة إلى ضبط مواد ووثائق ذات طابع متطرف، وهو ما يؤكد خطورة التنظيمات التي تحاول استغلال التطورات الأمنية في منطقة الساحل للتوسع خارج مناطق انتشارها.
الاعتدال الديني.. حصانة المجتمع المغربي
يتميز المغرب بخصوصية دينية وثقافية تقوم على الوسطية والاعتدال، حيث يتيح الدستور المغربي العمل السياسي لمختلف التيارات والأحزاب في إطار القانون، ومنها الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية المعتدلة، إلى جانب حضور الطرق الصوفية التي تمثل جزءًا من التاريخ الديني والثقافي للمجتمع المغربي.
وفي المقابل، لا يسمح المغرب بأي انحرافات تستغل الدين لتبرير العنف أو نشر التطرف أو الخروج عن تعاليم الإسلام الحنيف، الذي يقوم على قيم التسامح والرحمة واحترام الإنسان.
وقد اعتمدت المملكة إصلاحات مهمة في المجال الديني، من خلال إعادة هيكلة المؤسسات الدينية، وتأهيل الأئمة والمرشدين، وتنظيم عملية الإفتاء، وتعزيز دور العلماء والمؤسسات العلمية، بهدف تحصين المجتمع من الأفكار المتطرفة وترسيخ مفهوم الإسلام الوسطي.
التنمية والتعليم.. مواجهة جذور التطرف
أدرك المغرب أن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تعتمد على الجانب الأمني فقط، لذلك تبنى مقاربة تهتم بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، من خلال برامج التنمية البشرية، ودعم الشباب، وتحسين ظروف التعليم، وتشجيع فرص العمل.
فالتجارب الدولية تؤكد أن الجماعات المتطرفة تستغل أحيانًا حالات التهميش والإقصاء لنشر أفكارها واستقطاب الشباب، ولذلك فإن التنمية والعدالة الاجتماعية والتعليم تمثل عناصر أساسية في بناء مجتمع أكثر قدرة على مقاومة خطاب التطرف والكراهية.
الساحل والصحراء.. تحدٍ إقليمي متصاعد
تأتي الجهود المغربية في وقت تشهد فيه منطقة الساحل الأفريقي تصاعدًا لنشاط التنظيمات الإرهابية، مستفيدة من الفراغات الأمنية واتساع المساحات الصحراوية وصعوبة مراقبة الحدود.
وهذا الواقع يجعل من مكافحة الإرهاب مسؤولية إقليمية ودولية مشتركة، تتطلب تعزيز التعاون بين دول المغرب العربي ودول الساحل، وتطوير آليات تبادل المعلومات، ومواجهة مصادر تمويل الجماعات المتطرفة.
التضامن العربي والدولي مع المغرب
لقد قوبلت المحاولات الإرهابية الأخيرة بإدانة واسعة من عدد من الدول العربية والدول الكبرى، التي أكدت تضامنها مع المغرب ودعمها للإجراءات التي تتخذها المملكة لحماية أمنها واستقرارها.
ويمثل هذا الموقف الدولي رسالة واضحة بأن مواجهة الإرهاب لا تخص دولة بعينها، بل هي مسؤولية جماعية تحتاج إلى توحيد الجهود وتعزيز الاتفاقيات الدولية الخاصة بمكافحة الإرهاب والجماعات المتشددة.
كما أن هذا التضامن يعزز الجهود المغربية ويدعم استمرار التعاون الأمني والاستخباراتي، والاستفادة من الخبرة التي راكمتها المملكة خلال السنوات الماضية في التعامل مع خطر الإرهاب والتطرف.
خاتمة
إن ظاهرة الإرهاب العابر للحدود أصبحت من أخطر التحديات التي تواجه العالم اليوم، ولا يمكن مواجهتها إلا من خلال تضافر الجهود الإقليمية والدولية، وتسخير كل الإمكانيات السياسية والأمنية والفكرية والتنموية.
وتؤكد التجربة المغربية أن النجاح في مكافحة الإرهاب يحتاج إلى مقاربة شاملة تجمع بين قوة المؤسسات الأمنية، والاعتدال الديني، والتنمية الاجتماعية، والتعاون الدولي.
لقد استطاع المغرب، من خلال خبرته الأمنية والاستخباراتية، أن يقدم نموذجًا مهمًا في مواجهة الإرهاب، ليس فقط عبر إحباط المخططات قبل تنفيذها، وإنما أيضًا عبر بناء استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى حماية المجتمع وترسيخ الاستقرار.
وفي ظل استمرار التحديات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء، فإن دعم هذه الجهود والاستفادة من التجربة المغربية يمثلان خطوة مهمة نحو بناء منظومة إقليمية ودولية أكثر قدرة على مواجهة الإرهاب، وحماية الأمن والسلام في المنطقة والعالم.




















