
المغربية تيفي 24بقلم: أحمد سعيد العمودي
عندما احتفل النجم النرويجي إيرلينغ هالاند بأحد أهدافه مرتديًا خوذة الفايكنغ، لم يكن يستحضر مجرد رمز رياضي، بل أعاد إلى الواجهة اسمًا ارتبط في الذاكرة الأوروبية بالشجاعة والمغامرة والغزوات البحرية.
لكن من هم الفايكنغ حقًا؟ وهل كانوا مجرد قراصنة بثوا الرعب في أوروبا، أم أن تاريخهم يكشف عن حضارة أكثر تعقيدًا، جمعت بين الملاحة والتجارة والاستيطان وصناعة القوانين؟جذور شعب الشمالسكنت القبائل الجرمانية مناطق الدنمارك والنرويج والسويد منذ قرون طويلة قبل الميلاد، وعاشت في بيئة قاسية فرضت عليها الاعتماد على البحر إلى جانب الزراعة والصيد.
ورغم أن الإمبراطورية الرومانية لم تخضع تلك المناطق لسيطرتها، فإن العلاقات التجارية بين الطرفين كانت قائمة، وتشهد عليها العملات الرومانية والقطع الأثرية التي عُثر عليها في أنحاء إسكندنافيا.وفي أقصى الشمال عاش شعب السامي، أحد أقدم شعوب المنطقة، حيث قامت بينهم وبين القبائل الإسكندنافية علاقات تجارية وثقافية امتدت لقرون، وشملت تبادل الفراء والعاج والحديد.

بداية عصر الفايكنغيعد الهجوم على دير لينديسفارن في شمال إنجلترا عام 793م الحدث الذي يؤرخ عادة لبداية عصر الفايكنغ. فقد شكّل ذلك الهجوم صدمة كبيرة للعالم المسيحي، وأصبح رمزًا لانطلاق مرحلة من الغزوات البحرية التي امتدت عبر أوروبا.
ويرجع المؤرخون هذه الانطلاقة إلى عدة عوامل، أبرزها تطور صناعة السفن الطويلة القادرة على الإبحار في البحار والأنهار، إضافة إلى الضغوط السكانية داخل إسكندنافيا، وضعف عدد من الممالك الأوروبية في تلك المرحلة.
مجتمع تجاوز صورة المحاربرغم شهرتهم كمقاتلين، فإن المجتمع الإسكندنافي امتلك نظامًا اجتماعيًا متقدمًا نسبيًا مقارنة بعصره.فقد تمتعت المرأة بحقوق في إدارة الممتلكات وطلب الطلاق في بعض الحالات، كما كانت تدير شؤون الأسرة أثناء غياب الرجال في رحلات التجارة أو القتال.
وتشير بعض الروايات والدلائل الأثرية إلى احتمال مشاركة نساء في القتال، وإن ظل حجم هذه الظاهرة محل نقاش بين الباحثين.
كما عرف الفايكنغ نظامًا تشاوريًا عُرف باسم “التينغ”، وهو مجلس يجتمع فيه أفراد المجتمع للفصل في النزاعات وإقرار القوانين، ويُعد من أقدم أشكال المشاركة السياسية في شمال أوروبا.بين الغزو والتجارةلم تكن سفن الفايكنغ تحمل السيوف فقط، بل حملت أيضًا البضائع.فقد وصلت رحلاتهم إلى الأندلس وشرق أوروبا، وربطتهم طرق التجارة بالعالم الإسلامي، خاصة عبر نهر الفولغا، حيث تبادلوا الفراء والعسل والشمع مقابل الفضة القادمة من الدولة العباسية.
ولا تزال آلاف الدراهم العباسية المكتشفة في السويد والدنمارك شاهدًا على قوة تلك العلاقات التجارية، كما قدّم الرحالة العربي أحمد بن فضلان وصفًا دقيقًا للفايكنغ الذين التقاهم على ضفاف الفولغا في القرن العاشر الميلادي، مسجلًا تفاصيل حياتهم وعاداتهم وطقوسهم.
سبقوا كولومبوس إلى أمريكافي مطلع القرن الحادي عشر، وصل المستكشف ليف إريكسون إلى سواحل أمريكا الشمالية، حيث أسس مستوطنة في منطقة نيوفاوندلاند الكندية الحالية، وهو ما أكدته الاكتشافات الأثرية الحديثة، ليصبح أول أوروبي معروف يصل إلى القارة الأمريكية قبل كريستوفر كولومبوس بنحو خمسة قرون.
نهاية عصر الغزواتبدأ عصر الفايكنغ في الأفول خلال القرن الحادي عشر، مع اعتناق الممالك الإسكندنافية للمسيحية، وقيام سلطة الملوك المركزية، وتراجع الغزوات البحرية.

غير أن تأثيرهم لم ينتهِ؛ فقد أسهم أحفادهم في تشكيل ممالك أوروبية مهمة، وكان لهم دور بارز في تاريخ إنجلترا وفرنسا وروسيا، كما تركوا بصمتهم في الملاحة والقانون والتجارة.
إرث ما زال حيًالم يكن الفايكنغ مجرد قراصنة كما تصوّرهم بعض الروايات القديمة، بل كانوا أيضًا بحارة مهرة، ومستكشفين، وتجارًا، وصناع سفن، أسهموا في ربط شمال أوروبا بالعالم الإسلامي والبيزنطي، وتركوا أثرًا لا يزال حاضرًا في ثقافة الدول الإسكندنافية حتى اليوم.ولعل خوذة الفايكنغ التي رفعها هالاند في احتفاله لم تكن مجرد إشارة إلى ماضٍ حربي، بل استحضارًا لتراث شعب استطاع أن يحول البحر إلى طريق نحو العالم، وأن يكتب صفحة مؤثرة في تاريخ الحضارات الإنسانية.
إعداد وتحقيق:الشيخ أحمد سعيد العموديباحث أكاديمي ومفكر يمني




















