
🔴🔴
المغربية تيفي24 ✍ ابراهيم مهدوب
في أدبيات الصراعات الممتدة، كثيرا ما تلجأ الكيانات المأزومة إلى التصعيد الرمزي كلما فقدت القدرة على التأثير الحقيقي في موازين القوى. وحين تعجز التنظيمات المسلحة عن تحقيق اختراق سياسي أو عسكري، فإنها تميل إلى إنتاج مشاهد ضجيجية ذات طابع استعراضي، هدفها الأساسي ليس تغيير الوقائع، بل تأجيل الاعتراف بالهزيمة. وفي هذا السياق تحديدا، يمكن قراءة التحركات الأخيرة للميليشيات الإرهابية المرتزقة التابعة لـ“البوليساريو”، سواء من خلال الاستهداف العبثي لمحيط مدينة السمارة، أو عبر المناخ الإقليمي المضطرب الذي تزامن مع الاعتداء الإرهابي الذي طال شاحنات مغربية على الأراضي المالية.
إن القصف الذي استهدف محيط السمارة لا يمكن عزله عن السياق العام الذي تمر به هذه الميليشيات. فبعيدا عن أي قيمة عسكرية أو تأثير ميداني، بدا الأمر أقرب إلى محاولة يائسة لإثبات الحضور الرمزي في لحظة إقليمية ودولية تتسم بتراجع غير مسبوق في هامش المناورة السياسي لرعاتها وداعميها. فالميليشيات التي اعتادت الاستثمار في منطق “النزاع المجمد” أصبحت اليوم أمام واقع جديد يتآكل فيه خطابها التقليدي تحت ضغط التحولات الجيوسياسية المتسارعة.

لقد ظل المشروع الانفصالي، لعقود طويلة، قائما على معادلة الحرب الباردة واستثمار التوازنات الإقليمية القديمة. غير أن العالم تغير بشكل عميق، بينما بقيت هذه الميليشيات سجينة خطاب متجاوز يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، غير قادرة على مواكبة التحولات التي يشهدها النظام الدولي ولا الدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمملكة. ومع كل انتكاسة دبلوماسية، تجد هذه التنظيمات نفسها مضطرة إلى العودة نحو منطق الاستفزاز الأمني باعتباره آخر أدوات البقاء الرمزي.
وفي هذا الإطار، لا يبدو مستغربا أن تتزايد المؤشرات الدالة على حالة التوتر الداخلي التي تعيشها قيادة هذه الميليشيات، خاصة في ظل تنامي الحديث عن تحولات عميقة داخل المقاربة الجزائرية نفسها تجاه هذا الملف، وعن إدراك متزايد داخل دوائر القرار الإقليمي بأن استمرار هذا النزاع لم يعد يمثل ورقة استراتيجية رابحة بقدر ما تحول إلى عبء سياسي وأمني واقتصادي متفاقم.
أما الهجوم الذي استهدف شاحنات مغربية على محور الساحل الإفريقي، فإنه يعكس بدوره هشاشة الفضاء الأمني في المنطقة، حيث تتداخل شبكات الإرهاب والانفصال والتهريب والجريمة العابرة للحدود ضمن بيئة جيوسياسية شديدة التعقيد. ولم يعد خافيا على المتابعين أن بعض المجموعات المسلحة المرتبطة بهذا المشروع الانفصالي أصبحت تتحرك داخل مناطق رمادية تتيح تداخلا مقلقا بين الأجندات الانفصالية والبنى المتطرفة التي تنشط في الساحل والصحراء.
إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط طبيعة العمليات المحدودة في حد ذاتها، بل الرسائل السياسية الكامنة خلفها. فكلما اقتربت الأطروحة الانفصالية من مزيد من العزلة، ارتفع منسوب التوتر ومحاولات التشويش الإعلامي والأمني. وهي ظاهرة معروفة في تاريخ التنظيمات المسلحة التي تدخل مرحلة الإنهاك الاستراتيجي؛ إذ يصبح العنف الرمزي بديلا عن القدرة الفعلية على التأثير.
في المقابل، يبدو المغرب اليوم أكثر رسوخا في مقاربته الهادئة والمتزنة. فالدولة المغربية لا تتعامل مع هذه الاستفزازات بمنطق الانفعال، بل بمنطق الدولة التي تدرك أن الصراعات الكبرى تُحسم بالتراكم الاستراتيجي لا بردود الفعل الآنية. ولذلك يواصل المغرب تعزيز حضوره الدبلوماسي في إفريقيا، وترسيخ شرعية مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الواقعي والعملي لتسوية النزاع، بالتوازي مع دينامية تنموية متسارعة في الأقاليم الجنوبية جعلت الفارق واضحا بين مشروع دولة ومشروع ميليشيات.
لقد دخلت المنطقة بالفعل مرحلة جديدة؛ مرحلة لم تعد فيها الشعارات الثورية القديمة قادرة على إخفاء حقيقة التحولات الجارية. فالعالم لم يعد ينظر إلى النزاعات بمنظار الإيديولوجيا، بل بمنظار الاستقرار والتنمية والشراكات الاقتصادية والأمن الجماعي. ومن هنا تحديدا يمكن فهم ذلك السلوك المتوتر الذي بات يطبع تحركات هذه الميليشيات الإرهابية المرتزقة: إنه ارتباك الكيان الذي يشعر بأن الزمن السياسي الذي كان يتحرك داخله يقترب من نهايته.
ولهذا، فإن وصف ما يجري بـ”رقصة الديك المذبوح” ليس مجرد استعارة صحفية، بل توصيف لحالة سياسية كاملة؛ حالة تنظيم يتحرك بعنف وصخب في لحظة فقدان التوازن، غير مدرك أن الضجيج مهما ارتفع، لا يستطيع إيقاف حركة التاريخ.





















