
المغربية تيفي24 : تقرير احمد الدوه الشنقيطي
يُشكّل مضيق هرمز أحد أخطر وأهم الممرات البحرية في العالم، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، بل لكونه عقدة مركزية في معادلة الطاقة العالمية. فكل توتر في هذا المضيق ينعكس فورًا على أسعار النفط، وحركة التجارة، واستقرار الأسواق الدولية.
في خضم هذا التعقيد، يتجدد الجدل حول سيادة إيران على المضيق، وإمكانية فرض قواعد جديدة للمرور، بما في ذلك رسوم عبور، مقابل رفض دولي يستند إلى قواعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وبين هذين المنظورين، يتبلور صراع حقيقي ليس على الإغلاق، بل على من يملك حق تنظيم المرور.
أولًا: الأهمية الاستراتيجية والاقتصاديةيمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، خاصة من دول الخليج.
هذا الواقع يجعل من المضيق “شريان الطاقة العالمي”، وأي اضطراب فيه يُترجم فورًا إلى: ارتفاع أسعار النفطاضطراب سلاسل الإمدادقلق في الأسواق الماليةكما تعتمد اقتصادات كبرى، في آسيا وأوروبا، بشكل مباشر على استقرار الملاحة في هذا الممر الحيوي، ما يمنحه بعدًا دوليًا يتجاوز حدود الدول المطلة عليه.
ثانيًا: السيادة الإيرانية وحدودها القانونية تستند إيران في خطابها إلى موقعها الجغرافي، حيث تطل على الجزء الأكبر من السواحل الشمالية للمضيق، وتسيطر على نقاط استراتيجية فيه.

ومن هذا المنطلق، تعتبر أن لها حقًا مشروعًا في:مراقبة الملاحةفرض إجراءات أمنيةالتأثير في حركة السفنلكن هذا الطرح يصطدم بنظام قانوني دولي واضح.
فبحسب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يُصنَّف مضيق هرمز ضمن “المضائق الدولية”، التي تضمن حق “المرور العابر” لجميع السفن، دون تعطيل أو تمييز.وهنا تكمن الإشكالية:هل السيادة الجغرافية تمنح الحق في التحكم الكامل؟ أم أن القانون الدولي يقيّد هذه السيادة لصالح المجتمع الدولي؟
ثالثًا: هل يمكن فرض رسوم عبور؟تُطرح بين الحين والآخر فكرة فرض رسوم على السفن العابرة، باعتبارها مصدر دخل سيادي، شبيه بما يحدث في قناة السويس.
غير أن الفارق الجوهري يكمن في الطبيعة القانونية:قناة السويس ممر صناعي داخل سيادة دولة واحدةمضيق هرمز ممر طبيعي دولي يخضع لنظام العبور الحروبالتالي، فإن فرض رسوم إلزامية على المرور في هرمز سيُعد، في نظر كثير من الدول، خرقًا للقانون الدولي، وقد يؤدي إلى: تصعيد ديبلوماسي يفرض عقوباتتعزيز الوجود العسكري الدولي في المنطقة
رابعًا: الصراع الحقيقي – قواعد المرور لا الإغلاقرغم التصريحات المتكررة حول “إغلاق المضيق”، فإن هذا السيناريو يبقى الأقل احتمالًا، لعدة أسباب : إيران نفسها تعتمد على المضيق في صادراتهاالإغلاق سيستدعي ردًا عسكريًا واسعًاالكلفة الاقتصادية والسياسية ستكون باهظةلذلك، فإن الصراع الفعلي يتمحور حول : من يضع قواعد المرور؟
من يراقب السفن؟ما حدود التدخل الأمني؟تسعى إيران إلى فرض واقع جديد يمنحها دورًا أكبر في إدارة المضيق، بينما تصر القوى الغربية على إبقائه ممرًا مفتوحًا بلا قيود سياسية.
خامسًا: البعد العسكري والأمنييُعد مضيق هرمز واحدًا من أكثر المناطق عسكرة في العالم، حيث تنتشر:قطع بحرية أمريكيةقوات إيرانيةوجود بحري لدول حليفةوتتكرر في المنطقة حوادث مثل: احتجاز ناقلاتتحرشات بحريةمناورات عسكريةهذه التوترات لا تصل غالبًا إلى مواجهة شاملة، لكنها تُستخدم كأدوات ضغط ضمن “حرب الأعصاب” المستمرة.
سادسًا: الانعكاسات على الاقتصاد العالميأي توتر في المضيق يؤدي إلى تأثيرات فورية:ارتفاع تكاليف التأمين على السفنزيادة أسعار الطاقةاضطراب التجارة العالميةكما تسعى بعض الدول إلى تقليل اعتمادها على المضيق عبر : خطوط أنابيب بديلةتنويع مصادر الطاقةالاستثمار في الطاقة المتجددةلكن هذه البدائل لا تزال غير قادرة على تعويض الدور الحيوي للمضيق بشكل كامل.سابعًا: السيناريوهات المستقبليةيمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1. استمرار الوضع الحاليتوتر منخفض الحدة مع بقاء الملاحة مفتوحة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا.
2. فرض قواعد جديدة بشكل تدريجيمحاولات إيرانية لفرض نفوذ أكبر دون الوصول إلى مواجهة مباشرة.
3. تصعيد واسعوهو السيناريو الأقل احتمالًا، لكنه الأخطر، وقد يشمل مواجهات عسكرية تؤثر على الاقتصاد العالمي بشكل حاد.خلاصة:يبقى مضيق هرمز نقطة التقاء بين الجغرافيا والسياسة والقانون. فالصراع الدائر حوله لا يتعلق بإغلاقه بقدر ما يتعلق بالتحكم في قواعده.
وبين طموح إيران لتعزيز سيادتها، وتمسك المجتمع الدولي بحرية الملاحة، يظل المضيق على حافة توازن دقيق، حيث يمكن لأي تغيير في قواعد اللعبة أن يشعل أزمة تتجاوز حدود المنطقة، لتطال العالم بأسره.



















